روبير كالكانيو لـ"النهار": محيط واحد يوحّد البشر - تكنو بلس

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
روبير كالكانيو لـ"النهار": محيط واحد يوحّد البشر - تكنو بلس, اليوم السبت 5 أبريل 2025 08:51 صباحاً

روبير كالكانيو شغوف بالبحار والمحيطات. يعرف ماذا يحدث على سطحها وفي قعرها. يؤمن بأن المياه التي تحتل 71 في المئة من مساحة الكوكب، وحدة مترابطة. هاجسه الأول توفير المزيد من التناغم بين الإنسان والطبيعة. مطّلع على كلّ شاردة وواردة في كيفية حماية ثروات المتوسط. قد يكون هذا كله بديهياً لمَن يشغل منصب المدير العام لمعهد علوم البحار والمتحف التابع له في موناكو، منذ عام 2009. هذا الستيني من بلدة منتون، صاحب رؤية وطموح جعلاه مستشاراً للشؤون البيئية والأوربانية لحكومة موناكو، قبل ان يمنحه الأمير الجنسية المونيغاسكية. في مكتبه المطلّ على الأزرق الكبير داخل المتحف الذي أشرف على ترميمه احتفالاً بمئويته عام 2010، أجرينا معه هذا الحوار عن الثروة البحرية وماذا يعني التفريط بها بالنسبة لمستقبل البشر.  

لمحتُ عند مدخل المتحف شعاراً يقول إن "المحيط يجمع الكلّ". حدثّني عن هذه الفلسفة؟
هذا بالفعل مفهوم كرسناه في المعهد، ولكن ليس بمفردنا بل مع جميع شركائنا المهتمين بشؤون المحيط. في الواقع، يشكّل المحيط 71 في المئة من مساحة الأرض. عندما كنّا في المدرسة، قيل لنا إن هناك خمسة أو ستّة محيطات، لكن اليوم نؤكّد بوضوح أنه ليس هناك سوى محيط واحد، لأن جميع المحيطات مترابطة. حتى البحر الأبيض المتوسط متّصل بهذا المحيط الكبير عبر مضيق جبل طارق. المحيط يوحّد البشر، وهو عنصر أساسي لحياتنا على هذا الكوكب. إنه بمثابة منظّم حراري هائل، ينقل البرودة من القطبين نحو خط الاستواء.

 

مع الأمير ألبر الثاني.

 

وفي المحيطات، ما من حدود واضحة كحال الحدود البرية.
هذا صحيح. انه ما يجعل الأمر مذهلاً. قبل عامين، تمكّنت دول العالم جميعاً من الاتفاق والتصويت معاً على معاهدة تخص أعالي البحار. أعالي البحار هي المناطق التي تقع خارج نطاق الـ200 ميل بحري من السواحل، وهي مياه لا تتبع دولة بعينها، وأفضّل القول انها تعود للجميع. لذلك، اتّفقت الدول على توقيع معاهدة تحدّد قوانين إدارة هذه المساحات البحرية، ووضع إجراءات لحماية التنوع البيولوجي فيها. ورغم كلّ التحدّيات التي نواجهها اليوم، يمكن اعتبار المحيط سبباً يدفعنا إلى التفاؤل.

لكن هذا القلق في شأن المحيط، هل هو حديث؟ متى وُلد ولماذا أصبح أكثر إلحاحاً اليوم مقارنةً بالماضي؟ 
نعم، هذا القلق حديث نسبياً. سأروي لك قصّة تطوّر النظرة إلى المحيط من خلال معهد العلوم البحرية وأمراء موناكو، تحديداً الأمير ألبر الأول. ففي أواخر القرن التاسع عشر، أدرك الأمير أن المحيط لا يزال غير مستكشف. لذلك، موّل 28 حملة استكشاف على نفقته الخاصة، ودعا علماء للمشاركة معه على متن سفينته لدراسة المحيط وفهمه بشكل أعمق. كثيرون يعتبرونه مؤسس علم المحيطات الحديث. صحيح أن هناك علماء سبقوه، لكنه أعطى هذا التخصّص دفعة جديدة. وفي النصف الثاني من القرن العشرين، كان القائد والعالِم جاك إيف كوستو هو مَن عرّف جزءاً كبيراً من سكّان العالم إلى الحياة تحت الماء وسحر العوالم البحرية. انبهر الجميع بجمال هذه العوالم، لكن طوال القرن العشرين، كان الاهتمام بحماية البيئة يتركّز بشكل شبه كامل على اليابسة. وعندما تولّى الأمير ألبر الثاني الحكم في موناكو عام 2005، أدرك أن المحيط لا يحظى بالحماية الكافية. فبدأ بمحاولة توعية زملائه من قادة الدول والرأي العام، بضرورة القيام بمبادرات. واليوم، هو منخرط في هذا الشأن بشكل كبير. وأعتقد أن الناس أصبحوا يدركون أهمية المحيط لكوكبنا. هذا لا يعني أنهم يبذلون الكثير من الجهد، لكن على الأقل أصبح هناك وعي في هذا الخصوص. نحاول الآن الانتقال إلى مرحلة جديدة من نشاطنا، حيث يتحمّل الجميع المسؤولية — أكانوا أفراداً، مثلي ومثلك، أو حكومات، أو — وهذا محور تركيزنا هذا العام — شركات، وذلك نظراً لقوتها الاقتصادية الهائلة.

 

مع أحد الوفود خلال زيارة لمتحف علوم البحار.

مع أحد الوفود خلال زيارة لمتحف علوم البحار.

 

الوضع البيئي، بالنسبة لنا في لبنان، أسوأ بكثير.
لدي صور مؤلمة يبعثها لي أصدقائي اللبنانيون، مكبّات نفايات يتم دفعها إلى البحر…

هناك أيضاً جبال من القمامة على الساحل. ولا نعرف كيف نتعامل معها. غالباً ما يُترك الأمر للناشطين البيئيين الذين يبذلون جهداً بين الحين والآخر، لكن هذا لا يكفي. يجب أن يكون هناك حلّ من الدولة.
هذا صحيح.

في المناسبة، اسم هذا المعهد هو "معهد علوم المحيطات في موناكو"، لكنه يهتم بالبحر ويطلّ كذلك على البحر. فهل المقصود هو ان يشمل نطاقاً أوسع؟
نعم. لهذا قلتُ لك سابقاً انه ليس هناك سوى محيط واحد. نحن نتولّى الاهتمام بالمحيط في كلّ مكان في العالم. في السنوات الماضية، ركّزنا بشكل كبير على القطبين، المحيط المتجمّد الشمالي والمحيط الجنوبي. وسنواصل الاهتمام بهما، ولكنك اليوم هنا معنا في بداية برنامج مهّم حول المتوسط، وسنركز جهودنا عليه أيضاً. وأتمنى أن تُسنح لنا الفرصة للعمل مع لبنان، وأن نتمكن من زيارتكم مع علماء وسفينة استكشافية، وربما حتى برفقة صاحب السمو الذي يحب لبنان كثيراً. إنه صديق كبير للبنان، وقد زاره رسمياً في زيارة دولة قبل سنوات عدة.

 

من معرض 'متوسط 2050' الذي يُقام حالياً.

من معرض 'متوسط 2050' الذي يُقام حالياً.

 

هناك أشخاص مثلك يحاولون حماية هذا كله، وهناك آخرون لا يؤمنون بأي شيء من هذا.
(ضحك) هناك زعيم كبير لدولة عظمى لا يؤمن بذلك (يقصد دونالد ترامب). 

لكن، هل وجود هؤلاء الأشخاص يجعل من الصعب إحداث تغيير حقيقي؟
أتذكّر أنني سافرتُ إلى الولايات المتحدة مع بعض الأميركيين الذين لا يؤمنون بالتغير المناخي. حاولتُ أن أشرح لهم الأمر، لكن بصراحة، لم أتمكّن من إقناعهم حتى بعد نقاش طويل (ضحك). ولكن شيئاً فشيئاً، حتى في الولايات المتحدة، بدأ الناس يدركون أن هناك أعاصير وزوابع أكثر ممّا كانت عليه الحال في الماضي، وهذا يعني أن هناك شيئاً يحدث بالفعل. ما أود قوله هو أن التغير المناخي مسألة معقّدة لأنه مفهوم غير ملموس. لا يمكن استيعابه إلا من خلال الأرقام والمعطيات الحسابية. نحن اليوم نولي أهمية كبيرة للتنوع البيولوجي، وهذا أمر يسهل شرحه. فالناس يمكنهم ببساطة النظر من نوافذهم، أو التوجّه مثلاً إلى جبال لبنان الرائعة، وسيلاحظون ما إذا كان هناك شيء يسير على ما يرام أو لا. أو حتى يمكنهم الغوص قبالة سواحل بيروت لمعرفة ما إذا كان هناك أسماك أم لا. بشكل غير واعٍ، يكون الناس أكثر حساسيةً تجاه هذه الأمور، وبالتالي يكونون أكثر استعداداً للمساهمة في حماية الغابة القريبة من منازلهم وضمان استمرار التنوع البيولوجي فيها.

هل يجسّد التمويل التحدي الأكبر أمامكم؟
التمويل والعمل الميداني أيضاً، كلاهما من التحديات. منذ عام 2005، أحرزنا تقدّماً على صعيد التوعية، لكنه ليس كافياً بعد. لا يزال هناك أشخاص غير مقتنعين، لكننا حقّقنا بعض الإنجازات. كما أحرزنا تقدّماً في إبرام الاتفاقيات، مثل الاتفاق الذي تحدّثتُ عنه سابقاً حول أعالي البحار، والذي تم توقيعه قبل عامين. لدينا أيضاً اتفاقية "كونمينغ – مونتريال" في شأن التنوع البيولوجي، التي تهدف إلى حماية 30 في المئة من المحيطات في حلول العام 2030. الاتفاقيات والأهداف موجودة، لكن بصراحة، لن نتمكّن من حماية 30 في المئة من المتوسط في فترة محدودة كهذه. حالياً، نسبة الحماية الفعلية لا تتجاوز 1.5 في المئة، والتقدّم بطيء للغاية. لم يتبقَّ سوى ستّ سنوات، وسيحتاج الأمر إلى معجزة لتحقيق هذا الهدف. لكن رغم ذلك، الأشياء آخذة إلى التبلور. ففي أيار الماضي، تمكّنا من حماية أرخبيل جزر دينجر في القطب الجنوبي. قد لا يبدو إنجازاً عظيماً، لكنه يؤكّد أن جميع دول العالم قد اتّفقت على هذه الحماية. وبعيداً من الاتفاقيات، ما نحتاجه اليوم بشدّة هو تحقيق تقدّم كبير في التنفيذ. ولا يزال بإمكان الدول أن تلعب دوراً رئيسياً في ذلك. كما انه يجب أن يتطوّر النظام المالي بالتوازي مع إرادة الشركات حتى يتم توفير التمويل اللازم لبلورة النشاطات الإيجابية، وأعني بها زراعة الطحالب أو تربية المحار. فالمحار، يا للهول، مفيد جداً لأنه ينقّي مياه المحيط ويعمل كمرشح طبيعي، بالإضافة إلى كونه غذاءً جيداً. ومع ذلك، فإن هؤلاء المزارعين يواجهون صعوبة في العثور على تمويل لأن البحر بيئة معقّدة، وشركات التأمين غير معتادة على العمل في هذا المجال. لذلك، يجب توفير التمويل، كما يجب على الدول تقديم دعمها. في الوقت الحالي، معظم الحكومات تركّز تمويلها على الصيد الصناعي. يتم إنفاق 22 مليار أورو عالمياً دعماً له.

 

مبنى المتحف في موناكو.

مبنى المتحف في موناكو.

 

لكن لماذا دعم نشاط هو ذو طابع تجاري في المقام الأول؟
لأن هناك جماعات ضغط، والصيّادون لديهم نفوذ، كما أن الحكومات تخشى إتخاذ قرارات قد تؤثّر فيهم سلباً. لذلك، يموَّل شراء سفن أكبر وأكبر، ممّا يؤدّي إلى استنزاف المحيطات. في النهاية، الضرائب التي يدفعها المواطنون تُستخدَم لتمويل الصيد المفرط وتدمير المخزون السمكي. يجب توقيف هذا. 

هل لديكم مثل هذه المشكلة هنا في موناكو؟
لدينا صياد واحد فقط، لكنه لا يحصل على أي دعم مالي. ولكن موناكو ليست ميناء صيد كبيراً، شاطئنا لا يتجاوز كيلومترين. وجود صياد واحد كافٍ. لو كان لدينا عشرة صيادين، لأفرغوا البحر من الأسماك خلال خمس سنوات. أما بالنسبة للتمويل، فحالياً يُستثمَر نحو 25 مليار يورو سنوياً في أنشطة تهدف إلى الحفاظ على المحيطات وتطوير اقتصاد مستدام ومتجدّد. لكن التقديرات تشير إلى أننا في حاجة إلى 175 مليار يورو لتحقيق الأهداف المطلوبة، ما يعني أن هناك عجزاً قدره 150 مليار يورو كلّ عام. مهمّتنا في منتدى “الاقتصاد الأزرق والتمويل” (BEFF) هي سد هذه الفجوة التمويلية. لن نتمكّن من جمع هذا المبلغ دفعة واحدة، لكن إذا استطعنا توفير 10 أو 20 أو 30 مليار يورو، فسيكون ذلك خطوة في الاتجاه الصحيح.

هل لا تزال يد الإنسان أكبر ملوّث للبيئة، أم أن هناك عوامل أخرى؟
الإنسان هو الملوّث الأكبر بلا شك. سلفي في المنصب الذي أشغله اليوم، قبل القائد كوستو، كان يقول إننا نعيش في "عصر القمامة"، مثلما نتحدّث عن العصر البليوسيني أو العصر الحجري الحديث. بعد ألف أو ألفي عام، سيكتشف العلماء طبقة جيولوجية مكوّنة من نفايات الإنسان في القرن العشرين. هذا أمر محزن، لكنه الواقع.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق